المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قنطار مقنطر من ذهب وفضة!



المجدل
07-20-2008, 08:42 PM
لم تكن حلقةً عاديةً بالمطلق. هذا هو الوصف الأقلُّ إجحافاً لحلقة الإعلامي البارز غسَّان بن جدو؛ فلا تمادِينا في بلاغتنا ولا مبالغتُنا في فصاحتنا ستصفها بالوصف الذي يليق، هذه الحلقة التي انتظرناها منذ أكثر من أسبوعين.بالصدفة، كُتب لي أن أشاهد حلقة غسَّان التي استضاف فيها رشيدة المغربي شقيقة الشهيدة دلال، وأنيس النقاش الخبير الاستراتيجي والسياسي في موضوع الشرق الأوسط. أذهلني ذاك الديكور المفتوح –بطبيعة برنامجه الانفتاحية، فهو حوار مفتوح، وفي مكان مفتوح-، فوجئتُ بالصور الخاصة التي عرضها لشهداء عملية الشهيد كمال عدوان التي قادتها دلال، وعلَّقني به أكثر عندما قال إن سمير القنطار سيكون ضيفه عمَّا قريب. في حلقة الأسبوع الذي تلاه، تحدث غسَّان مع مجموعة من قادة المقاومة الإسلامية في لبنان، الذين حققوا الانتصار العربي الأول من نوعه منذ زُرع الكيان الغاصب في أرضنا، وقال يومها إن الحلقة القادمة ستكون مع "مناضل كبير". لم يكن الأمر بحاجة إلى ذكاء كبير، فالمناضل الكبير هو حتماً سمير القنطار، الذي سيُفرج عنه يوم الأربعاء القادم. هذا ما قاله الأسرى أيضاً في سجن هداريم، الذين كانوا يتابعون تلك الحلقة، وقالوا يومها لسمير إنه الأسبوع القادم سيكون على المقعد المقابل لغسان. فعلها غسان بن جدو، وإن أراد أن يكون سبَّاقاً بها، لكنه لم ينجح؛ لأن تلفزيون المنار وهو جزءٌ من منظومة حزب الله الذي حقق هذا النصر كان أسبقَ منه. أرادها له لوحده غسان، كما فعل سابقاً عندما كان الإعلامي الوحيد الذي يجري لقاءاً مع السيد حسن نصر الله، في عزِّ حرب تموز 2006، وعندما فعلها مع المناضل الأممي الكبير فيديل كاسترو. لكنها لم تُكتب له هذه المرة مع سمير. على الرغم من ذلك، كانت حلقةً "خاصة وخاصة وخاصة جداً" كما وصفها تماماً. بدأت بمقطوعة موسيقية ثورية جميلة، دخل بعدها هو وسمير القنطار –الذي لم يفارق بعد بزته العسكرية-، ونعته بـ"العميد" أكثر من مرة، إلى أن طلب منه العميد سمير ألا يخاطبه إلا باسمه دون ألقاب. وهنا تبدأ الحكاية الأخرى، حكاية "قنطار مقنطر من ذهب وفضة!"، ذاك المناضل الحقيقي، المقاوم الحقيقي، الذي دخل وخرج من سجن الاحتلال وهو كما هو، لم يتغير، سوى أنه زاد تمسكاً بحق الفلسطينيين بأرضهم. كانت السجون والزنازين مدرسةً تعلم فيها، ونهل بين جدرانها كؤوس الممانعة والرفض. التقى فيها بكبار قادة المقاومة الفلسطينية، التقى فيها بأحمد سعدات ومروان البرغوثي ويحيى السنوار، فزادهم وزادوه تمسكاً بحقهم في أرضهم.
تحدث سمير... فزادنا فخراً به من حديثه. امتلك بسليقته خطابة الزعماء الثوريين، وكاريزما الجيفاريين، وكان قائداً للأسرى حتى بعد أن غادرهم. قال إنه اختُطف اختطافاً من السجن، حيث لم يُتح له أن يودع أسيرين آخرين أراد أن يودعهما، وقال إنه التقى للمرة الأولى مع أسرى الوعد الصادق بعد أن نُقل إلى المكان الذي اختُطف –حسب وصفه- إليه من هداريم. هناك، جاءهم ضابط طلب منهم ارتداء زيٍ مضحك، لا يليق بكرامة من حافظ على كرامته ثلاثين عاماً ولم ينكسر. قال حينها لذاك الضابط : "الغ ِ الصفقة، وأعدنا إلى المعتقل". سأله الضابط مستعجباً: "منذ ثلاثين عاماً بنيت أحلامك وآمالك على لحظةٍ كهذه، والآن ترفضها!"، قال له: "حافظت على كرامتي ثلاثين عاماً، ولن أتنازل عنها في اللحظة الأخيرة". عندها خنعوا وانقادوا له، وهزمهم مرةً أخرى غير المليار مرة التي هزمهم إياها قبلاً. ومن هنا جاءت فكرة البزة العسكرية، التي كان هو صاحبها، والذي يبدو أنه لن يفارقها!
تحدث سمير... فقال كلاماً كبيراً جريئاً لا يقوله إلا العظماء. سأله غسان عن تهديدات الإسرائيليين له بالاغتيال. فأجابه سمير أنه كان يدرك تماماً أن شيئاً من هذا القبيل سيخرج عن المؤسسة الصهيونية بعد الإفراج عنه، وقال إنه أبلغ إخوانه الأسرى بأنه سيخرج من هداريم، وسيخرج معه قرارٌ باغتياله. سأله غسَّان عمَّن يقف وراء هذا القرار، فأجابه سمير إجابة الواثق، قائلاً إنه حتماً "عاموس جلعاد" !
تحدث سمير... فقال إنه سيستشهد اغتيالاً على يد الصهاينة، لكنه سيجعلهم يدفعون ثمن اغتياله غالياً قبل أن ينفذوه. وبطبيعته الإعلامية، الباحثة عن المعلومة، سأله غسَّان بن جدو بعفوية قائلاً: "بمعنى..؟"، فأجابه سمير برباطة جأشٍ قائلاً :"إتركها للأيام..". ذكرني غسَّان بن جدو بنفسي ذات مرة، عندما سألتُ أحد الناطقين الإعلاميين لأحد الأجنحة العسكرية، بعد ربع ساعةٍ من ورود الأنباء الأولية عن تنفيذ عملية اقتحام لموقع عسكري اسرائيلي متقدم شمال القطاع، عن عدد المنفذين.. يومها شعرت ببلاهة مهنتي أمام عظمة المقاوم!
تحدث سمير... فقال إنه طالبَ عائلته أكثر من مرة بألا يحزنوا عليه، ففلسطين غالية، وواجبنا وحقها أن ندافع عنها، واعتبروني حصة العائلة في ذلك، وعلى كل عائلة أن تحذو هذا الحذو. فلا تبكوني إن استشهدت!

تحدث سمير... فقال عندما رأى صورته مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على قطعة "الطورطة" الكبيرة التي قدمها له غسَّان بمناسبة عيد ميلاده الذي يُصادف اليوم العشرين من يوليو، إنها الصورة الأجمل له في حياته. وقال عن صورته مع أبي القسام مروان ومع أبي غسَّان سعدات، إنها من أجمل صوره على الإطلاق.
تحدث سمير، ولا زال يتحدث، وسيبقى يتحدث ذاك الحديث الثوري لا الثورجي، حديث المقاوم الحقيقي، الذي وضع كفه في راحته وألقى بها في مهاوي الردى.
تحدث سمير، ولا زلنا رهن إصغائنا له؛ نتعلم منه، ونسترشد به.. فهو "مانديلا العرب"، رغم أني لا أحبذ هذا اللقب كثيراً، لأنه سمير القنطار وسمير القنطار وسمير القنطار فقط!... قنطارُ الدنيا المقنطرُ من ذهبٍ وفضة.